EACA

EACA Community About EACA Association EACA Community  Activities EACA Events Go to EACA Online Radio, Listen to Interviews and More EACA Home Page - The Fun Starts Here

 

العلاقة بين الدين والدولة في عيونهم
بقلم: جيهان منصور

تعتبر مسألة الحكم احدي ابرز المشاكل حساسية وإثارة في عالمنا العربي المعاصر، وهي من الخطورة بمكان حتى أنها شكلت – خلال العقدين الماضيين- محورين رئيسيين يتناولان العلاقة بين الدين والدولة : احدهما يرفض مبدأ الدولة الاسلامية وهو ما يعرف بالاتجاه العلماني، ويطالب بعزل الدين تماما عن الحياة- اللهم الا في المساجد- والثاني يطالب بضرورة العودة الى الدولة الاسلامية كحل يوحد العالم العربي، مادامت العروبة قد ضلت طريقها وسط غياهب العولمة، ولكن هل يتفق اصحاب الاتجاه الواحد فيما بينهم حول قضية الحكم؟ وهل استطاع اى من الفريقين تقديم مشروع بديل متكامل يمكن من خلاله اقامة موازنة موضوعية لمفهوم الدولة الحديثة؟

UMD Panel
UMD Panel on 'Religion and State' - Dr. Daoud Khairallah, Marah El-Bukai, Dr. Ahmed El-Taher, Dr. El-Taher Adouani & Jihan Mansour
كان هذا موضوع الندوة التى عقدها قسم الدراسات الشرق أوسطية في جامعة ميريلاند تحت اشراف الدكتور علاء الجبالي، رئيس القسم، وبحضور لفيف من الاساتذة ، بعنوان "العلاقة بين الدين والدولة في العالم العربي" من خلال المنهج الذى يدرسه طلاب الدراسات العليا حول تاريخ و حضارة الشرق الاوسط ، والسياسات المعاصرة ، اضافة الى الثقافة الاسلامية والادب العربي، هذا الى جانب دورات مكثفة فى الاستماع والمحادثة والترجمة بنوعيها الفورية والمكتوبة.

شارك في الندوة الوزير المفوض بجامعة الدول العربية وممثل الجامعة العربية فى اليونسكو بباريس الدكتورالطاهر عدواني، والدكتور داوود خير الله الاستاذ المحاضر في القانون الدولى بجامعة جورج تاون، والأديبة والإعلامية، مديرة مكتب صحيفة العربية في واشنطن مرح البقاعي، والدكتورأحمد طاهر ـ أستاذ اللغة العربية في جامعة ميريلاند، وأدارت دفة الحوار أستاذة اللغة العربية فى القسم والاعلامية جيهان منصور.

القى الدكتور أحمد الكلمة الأولى في المناظرة ، حيث قدّم عرضا تاريخياً لأنظمة الحكم في البلدان العربية والإسلامية، منذ عهد الرسول (ص). وبرغم أن القرآن الكريم لم يفصل القول في أمر الخلافة بعد الرسول، أوشكل الحكم على وجه التحديد، إلا أنه قد جعل الشورى هي الأساس الذي يرتكز عليه المسلمون بشكل عام، ما كان له في عهد الخلفاء الراشدين أثر بالغ في أمرين مهمين: تسمية الخليفة للناس من خلال مجموعة من أهل الثقة من الصحابة يبلغ عددهم مابين ستة إلى عشرة، وهذا يوازي الترشيح المعمول به حالياً، تتلوه البيعة من كافة المسلمين على قدر الإمكان، وهي تقابل الانتخابات بمفهومها الحديث .

Dr. Ahmed El-Taher
Dr. Ahmed El-Taher
واستأنف الدكتور طاهر قائلا: "مع الأسف ، منذ سنة 41 هجرية، بدأت الدولة الأموية بحاكم جعل الحكم وراثياً في أولاده وذريته، وهو معاوية بن أبي سفيان. ومنذ ذلك الوقت، استمر هذا التقليد لدى الدولة العباسية، وعصور الدويلات المستقلة، ثم الامبراطورية العثمانية، وما تلاها لدى أسرة محمد علي باشا في مصر، والتي حكمت وراثياً لحوالي قرن ونصف قرن. وقارن الدكتورطاهر بين شعارين موجودين على الساحة السياسية حاليا وهما الإسلام هو الحل، وفي ذلك إغفال لغير المسلمين والأقليات الأخرى؛ أما الشعار الآخر، فهو المواطنة هي الحل، ونموذجها موجود لدى المسلمين وغيرهم في أميركا وغيرها، ممن يمارسون حقوقهم السياسية إلى جانب قيامهم بشعائرهم الدينية دون مشكلات. وأفاد:"لعل في فكرة المواطنة فرصة أكيدة للوئام والوفاق بديلا عن الصراعات المذهبية والعرقية".

بدوره تناول الدكتور الطاهر العدواني "المدخل الذى طالما تجاهلناه فى البحث العلمي في موضوع الدين والدولة، وهو أن الدين والدولة وجهان لعملة واحدة. هذا المدخل تقترحه المقاربة للموضوع من منطلق علم الاجتماع المعرفي".

Dr. El-Taher Adouani
Dr. El-Taher Adouani
واستطرد عدواني قائلا :"فالدين من هذا المنطلق المعرفي الاجتماعي، هو بمثابة العقيدة السياسية الجديدة- الايديولوجيا الانقلابية على وضع اجتماعى كان سائدا في العصر الجاهلي من باب الرفض والتجاوز وكانت الغاية من الدين، ونحن نتكلم هنا عن الاسلام، هي إقامة نظام اجتماعي وسياسي واقتصادي جديد مع مفصل طقوسى يتمثل فى العبادات التى لاتزيد عن خمس فرائض ( الشهادة والصلاة والصوم والزكاة والحج ) وباستثناء الشهادة ، فالاربع فرائض الاخرى فيها نظر واجتهاد، وتخضع لاحكام الضرورات بالتقصير للصلاة ، والتعويض للصوم، والاستطاعة للحج والزكاة. وما عدا ذلك فالدين كله معاملات " الدين المعاملة" حديث شريف، "ولن يؤمنوا حتى يحكموك فيما بينهم" قرآن كريم، لكن ليس معنى ذلك ان يختص بادارة شؤون الدولة، والشأن العام، رجال الدين والفقهاء، فذلك ليس واردا على الاطلاق، لان لا وجود اساسا لرجال الدين والكهنوت، وحتى وإن كان هناك علماء فى الدين".

وفي النهاية اجمل الدكتور العدواني رؤيته بالقول:" كان للدولة باستمرار، وعلى مدى التاريخ سند ديني. أو هى عملة ذات وجهين ديني ودنيوي، والحقيقة هي أن دعاوى الفصل بين الدين والدولة غير مؤسسة، وهي غير ذات موضوع، الموضوع هو كيف توظف الدولة المعاصرة الدولة القومية، دولة الحداثة، وما بعد الحداثة وليس الدولة الفاشية البوليسية القائمة حاليا، كيف توظف الدولة المستقبلية الديمقراطية الدولة العولمية، كيف توظف الدين ضمن هذه السيمفونية من المفاهيم والقيم الجديدة، كيف نجعل الدين يبشر بعالم إنسانى جديد ورحب يتسع للجميع بدون إقصاء، عالم التوافق، التوافق بمعنى المحصلة الكلية . كل ما هو كائن كل ما هو موجود" فالدين كله لله" قران كريم ، وكوكب الأرض للجميع".

Marah El-Bukai
Marah El-Bukai
اما مرح البقاعي فجاءت بعبارة جديدة وهي ضرورة " دولنة الإسلام لا أسلمة الدولة". ورأت البقاعي "إن الجدل الراهن القائم في مثلث (الإسلام ـ السياسة ـ المجتمع)، والذي تحول سريعا إلى مواجهات فكرية وسياسية ـ وأحيانا عنفية ـ تجلت في ممارسات الجماعات الدينية المتطرفة، إنما ينطوي على رهانات واستحقاقات لا بد من الاعتراف بها ومعالجتها من أصولها؛ استحقاقات تتمحور حول رؤيتنا للإسلام، وقراءتنا لنصوصه، في ظل المتغيرات والتحولات الكونية".

البقاعي اردفت قائلة :"لا تكمن المعضلة هنا في النص الديني الإسلامي، فهو نص ثابت لم يتغير منذ تدوينه، بل هي تقبع في الصلب من المجتمعات الإسلامية بوصفها امتدادا تاريخيا وثقافيا وجغرافيا للإسلام؛ مجتمعات نأت بنفسها عن قراءة الحالة المدنية في الشريعة الإسلام، ودرجت على استحضارها كمفهوم عقائدي سياسي جامد غير قابل للعصرنة والتحديث".

وختمت البقاعي مفيدة:"إن غياب حاسة النقد للخطاب الديني وتراجع الفعل الاجتهادي في النص، هما ـ مجتمعان ـ ما أجج الصدام، المتواصل أصلا، بين الجماعات الإسلامية من جهة، والتيارات العلمانية، من أخرى؛ الأمر الذي أدى إلى تعاظم الاحتقان الاجتماعي في ظل غياب أرضية مشتركة للحوارعلى المستوى "الرؤيوي" بدايةً، ومفاعيله على مستوى التطبيق السياسي، نتيجةً؛ أرضية تجمع فئات المجتمع كافة بجماعاته وتياراته وتنظيماته، المدنية منها والدينية، من أجل صياغة عقد اجتماعي جديد لا يبتعد عن الدين "جوهرا" ولا يتماهى فيه "فعلا سياسيا"، بل يقف على مسافة واحدة من الأديان والمذاهب والأطياف السياسية كافة، في ظل تمكين مفاهيم الدولة المعاصرة التي أسّها ومرجعيتها "المواطنة" لا"الدين"، الدولة المعاصرة التي تقوم على فصل السلطات، وإطلاق الحريات العامة، وإقرار التعددية السياسية، ومداولة السلطة، وتمكين المرأة، وإحقاق التكافؤ في الفرص، ودفع العدالة الاجتماعية. وفي ظل هذا التحول الدراماتيكي في علاقة الإسلام بالشأن السياسي يغدو دور الجماعات الإسلامية ـ حصرا ـ دوراً "دعوياً" يتداول القيم الإسلامية التي هي أصلا قيم إنسانية وأخلاقية وضميرية؛ ما يمهد الطريق واسعاً للاجتهاد وتجديد الخطاب الإسلامي ونقده لتخليصه من الشوائب والتراكمات الزمنية، التمكّن، تاليا، من أدوات تفعيل حركة التنوير النهضوي المرتجاة بعيدا عن التجاذبات السياسية المعطِّلة"

Dr. Daoud Khairallah
Dr. Daoud Khairallah
من جانبه تناول الدكتور داوود خير الله المسألة من الجانب القانوني في رصده للنسيج السوسيولوجي العربي ومأزقه المعاصر في تناول تلك العلاقة الجدلية. وتحدث الدكتور خير الله قائلا :" البداية كانت في ميثاق المدينة، حيث هاجر النبي من مكة إلى المدينة، وكان هناك ما يعتبر الدستور الأول للدولة الإسلامية ثم الشريعة التى لها فى نظام الحكم الإسلامي الدورالأساس. فالشريعة بموجب النظرية التقليدية مصدرها إرادة الله، وهى سابقة وليست لاحقة للدولة، وهى تكيّف المجتمع الإسلامى ولا تتكيف به، والقرآن الكريم بما أنه وحى إلهي، هو الحقيقة كلها، يصلح لكل زمان وللبشرية بأسرها، لذلك فالشريعة الإسلامية لا يمكن تعديلها ولا تخضع للتحول الذي يصيب الواقع، فالاختلاف بين الشريعة والقوانين الوضعية التى هو نتاج الإرادة والعقل البشري".

الا انه علق على ما سبق بالقول :" لكن هناك أصحاب نظريات حديثة يقدمون براهين على أن إرادة الله لم تكن متحجرة وشاملة كما يدعي أصحاب النظرية التقليدية، ولكن جاءت بشكل مبادىء رئيسية عامة تقبل التكيف والمتغير من الأوضاع والظروف وبالتالي فهى تواكب التطور البشري". وفى مجال الحديث عن الستور الحالي للدول العربية قال خير الله " إنه باستثناء المملكة العربية السعودية التى القرآن دستورها، فإن جميع الدساتير العربية التي تتشابه إلى حد كبير، بل والمأخوذة عن دساتير أوروبية، لا تقول بفصل الدين عن الدولة، لا بل إن معظمها يقول إن الدين هو المصدر الأساسي للتشريع والقوانين، وبعضها يضيف إن دين رئيس الدولة هو الإسلام".

والختام جاء فى شكل شرح للحالتين من وجهة نظر خير الله :" فى النصف الثاني من القرن التاسع عشر، نشأ صراع متزايد بين القوى العلمانية والقوى الأصولية التقليدية، انعكس في النقاش الفكري والعقائدي، وفي الحركات الاجتماعية والسياسية، وفي بناء الدولة والمؤسسات. هذا الصراع يمثل انقساما واضحا، فمن جهة هناك التزام عقائدي وثقافي بإطار قانوني ومؤسسي ذي طابع ديني، يُفترض بأن يحكم الواقع ويعطيه شكله ولكنه لا يفعل. ومن جهة أخرى هناك واقع علماني، عليه أن ينمي ثقافة عقلانية تجعل من الإنسان مسؤولا مباشرا عن أعماله ومصيره على الأرض لكنه لا يفعل أيضا!. فلا الخطاب الديني يكيف الدولة والمجتمع الإسلامي بشكل يتلائم والركب الحضاري العالمي، ولا الفكر العلماني تمكن من صناعة ثقافة علمانية حداثية في المجتمع العربي".

وبعد ان ادلى كل من الاساتذة المشاركين بدلوه فى القضية المطروحة للتنظير، فتح الباب لطلاب قسم ماجستير اللغة العربية والدراسات الشرق اوسطية بجامعة مريلاند ، لالقاء حفنة من الاسئلة التى اكملت ما تم ايجازه من وجهات نظر المعلقين حول الرؤى المختلفة لمفهوم العلاقة بين الدين والدولة فى العالم العربي.

Feedback & Suggestions | Disclaimer | Privacy | Contact

PageTop
© EACA Online  2006